jueves, 3 de mayo de 2012

قيمة الوقت في حياة الإنسان


بسم الله الرحمن الرحيم
الطريق إلى جنة الخلد
في القرآن الكريم سورةٌ قصيرةٌ ، كان الرَّجلانِ مِن أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا الْتَقَيَا لم يتفرَّقا حتى يتلوَ أحدُهما على الآخر هذه السورة ، وكان الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله تعالى يقول :
(لو تدبَّر الناسُ هذه السورة لَكَفَتْهُم )
[تفسير ابن كثير (4/548)]
هذه السورةُ ترسمُ منهجًا كاملاً للحياة البشرية ، كما يريدُها خالقَ البشرية ، فعلى امتدادِ الزمانِ في جميعِ العصور ، وعلى امتدادِ المكانِ في جميع الدهور ، ليسَ أمامَ الإنسانِ إلا منهجٌ واحدٌ رابحٌ ، وطريق واحد سالك إلى جنةِ الخُلدِ ، وكلُّ ما وراء ذلك ضياعٌ ، وخسارةٌ ، وشقاء ، إنها سورة العصر ، قال تعالى :
]وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ[
[سورة العصر : الآية 1-2]
استثمار الوقت
لقد أَقْسمَ اللهُ جلّ جلالُه بمطلق الزمن ، العصر ، لهذا الإنسانِ الذي هو في حقيقته زمنٌ ، فهو بِضْعَةُ أيام ، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه ، وما مِن يوم ينشقُّ فجرُه إلا وينادي : يا ابن آدم ، أنا خلقٌ جديدٌ ، وعلى عملِك شهيدٌ ، فتزوَّدْ منِّي ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة .
لقد أقسمَ اللهُ بالزمن للإنسان أنّه في خُسرٍ ، بمعنى أنَّ مُضِيَّ الزمنِ وحدَه يستهلكُ عُمُرَ الإنسان الذي هو رأسُ ماله ، ووعاءُ عملِه الصالحِ ، الذي هو ثمنُ الجنة التي وَعَدَه اللهُ بها .
هلِ الخسارةُ في العُرْفِ التِّجاريِّ إلا أنْ تُضَيِّعَ رأسَ مالِكَ مِن دون تحقيقِ الربحِ المطلوب ، لكنّ الإنسانَ إذا استثْمرَ الوقتَ فيما خُلِقَ له ، يستطيع أنْ يتلافَى هذه الخسارةَ ، وذلك بالإيمانِ ، والعملِ الصالحِ ، والتواصي بالحقِّ ، والتواصي بالصّبرِ .
قال تعالى :
]وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[
[سورة العصر : الآية 1-3]
أولاً : الإيمان ،
]إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا[
إنّ الإيمانَ هو اتصالُ هذا الكائنِ الإنسانيّ الصغيرِ ، الضعيف الفاني ، المحدود ، بالأصل المطلقِ الأزليّ الباقي ، الذي صدرَ عنه هذا الوجودُ ، وعندئذٍ ينطلقُ هذا الإنسانُ من حدود ذاته الصغيرة ، إلى رحابةِ الكون الكبير ، مِن حدودِ قوته الهزلية ، إلى عظمة الطاقات الكونية المخبوءة ، من حدود عمره القصير ، إلى امتدادِ الآبادِ التي لا يعلمُها إلا اللهُ ، هذا الاتصالُ فضلاً على أنه يمنحُ الإنسانَ القوةَ ، والامتدادَ ، والانطلاقَ ، فإنه يمنحُه السعادةَ الحقيقيةَ التي يَلْهَثُ وراءها الإنسانُ ، وهي سعادةٌ رفيعةٌ ، وفرحٌ نفيسٌ ، وأُنْسٌ بالحياةِ ، كَأُنْسِ الحبيبِ بحبيبِه ، وهو كَسْبٌ لا يعدِلُه كسبٌ ، وفقدانُه خسرانٌ لا يعدِله خسرانٌ ، وعبادةُ إلٍه واحدٍ ترفعُ الإنسانَ عن العبوديةِ لسواه ، فلا يذلّ لأحد ، ولا يحني رأسَه لغير الواحد القهار ، فليس هناك إلا قوةٌ واحدةٌ ، ومعبودٌ واحدٌ ، وعندئذٍ تنتفي مِن حياةِ الإنسانِ المصلحةُ ، والهوى ، ليحلّ محلَّها الشريعةُ والعدلُ .
والاعتقادُ بكرامةِ الإنسانِ ، وهو مِن لوازمِ الإيمانِ ، الاعتقاد بكرامة الإنسان عند الله يرفع من قيمته في نظر نفسه ، ويثيرُ في نفْسهِ الحياءَ ، مِنَ التّدنِّي عنِ المرتبةِ التي رَفَعَهُ اللهُ إليها .
ثانياً :
]إلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [
العمل الصالح
ولأنّ الإيمانَ حقيقةٌ إيجابيةٌ متحركةٌ ، كان العملُ الصالحُ هو الثمرةَ الطبيعيةَ للإيمان ، فمَا إنْ تستقرَّ حقيقةُ الإيمانِ في ضميرِ المؤمنِ حتّى تسعَى بذاتِها إلى تحقيق ذاتِها ، في صورةِ عملٍ صالحٍ ، فلا يمكنُ أنْ يظلَّ الإيمانُ في نفسِ المؤمنِ خامداً لا يتحرّك ، كامنًا لا يَتَبَدَّى ، فإنْ لم يتحرّكِ الإيمانُ هذه الحركةَ الطبيعيةَ فهو مزيَّفٌ ، أو ميتٌ ، شأنُه شأنُ الزهرةِ ، ينبعثُ أريجُها منها انبعاثاً طبيعياً ، فإنْ لم ينبعثْ منها أريجٌ فهو غيرُ موجود .
والعملُ الصالحُ ليس فلتةً عارضةً ، ولا نزوةً طارئةً ، ولا حادثةً منقطعةً ، إنما ينبعثُ عن دوافعَ ، ويتّجهُ إلى أهدافٍ ، ويتعاونُ عليه المؤمنون .
الإيمانُ ليس انكماشاً ، ولا سلبيةً ، ولا انزواءً ، ولا تَقَوْقُعاً ، بل هو حركةٌ خَيِّرَةٌ نظيفةٌ ، وعَمَلٌ إيجابيٌّ هادفٌ ، وعمارةٌ متوازنةٌ للأرض ، وبناٌء شامخٌ للأجيال ، يتّجهُ إلى الله ، ويليقُ بمنهج الله ، ورَحِمَ اللهُ عمرَ بنِ عبد العزيز إذ يقول : ( إن اللّيل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما ، ويأخذان منك ، فخذ منهما )
كلما اتَسعتْ رقعةُ العملِ فشملتْ أعداداً كبيرةً من بَني البشرِ حتى دخلتْ فيه الأممُ والشعوبُ ، وكلّما امتدّ أمدُ العملِ وطالَ حتى توارثتْ ثمارَه أجيالٌ وأجيالٌ ، وكلما تغلغلَ العملُ في كيانِ الإنسانِ كلِّه ؛ الماديّ والنفسيّ ، والاجتماعيّ ، والروحيّ ، حتى تحقَّق به وجودُ الإنسان ، وتألّقتْ من خلاله إنسانيتُه ، وكان كما أريد له أن يكون ، إذاً كلما اتسعتْ رقعةُ العمل ، وعَمَّ خيره ، وطالَ أمدُه ، واشتدَّ تأثيرُه ، كانَ أعظمَ عندَ اللهِ .
هذه صفاتُ العملِ الصالحِ ، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم أَخْرَجَ الناسَ مِن الظلمات إلى النور ، ومِن دَرَكَاتِ الجاهليةِ إلى أعلى مراتبِ الإنسانية ، وغيَّر وجهَ التاريخِ البشريّ كله ، إلى اليوم ، وإلى ما شاء الله ، في ثلاث وعشرين سنة ، أقامَ فيها دينًا جديداً ، وربَّى عليه جيلاً فريداً ، وأنشأ أمّةً مثاليةً ، وأسّسَ دولةً عالميةً ، في هذا الزمن اليسير ، على الرغم مِن كلّ الصعوباتِ والعوائقِ التي اعترضتْ سبيلَه مِن أوّل يومٍ .
ويزدادُ ثقلُ العملِ في ميزانِ الحقِّ ، وتتضاعفُ قيمتُه ومثوبتُه عند الله كلما كثرتْ العوائقُ في سبيله ، وعظُمتِ الصوارفُ عنه ، وقَلَّ المُعينُ عليه .
هداية النبي صلى الله عليه وسلم
ويزدادُ ثقلُ العملِ في ميزان الحقِّ ، وتتضاعفُ قيمتُه ومثوبتُه عند اللهِ حينما تَفْسُدُ المجتمعاتُ ، وتضطرب الأحوالُ ، فيجور الأمراءُ ، ويتجبّرُ الأقوياءُ - كما ترون - ويترفُ الأغنياءُ ، ويداهِن العلماءُ ، وتشيع الفاحشةُ ، ويظهرُ المنكرُ ، ويختفي المعروفُ ، وفي الحديث عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))
[أخرجه مسلم (2948)، والترمذي(2201)]
وهنا محلُّ الإشارةِ إلى أنّ الإنسانَ إذا رُزِقَ التوفيقَ في إنفاقِ وقتهِ يستطيعُ أنْ يُطيلَ عمرَه إلى ما شاء الله بعد موته ، فيحيا وهو ميت ، ويؤدّي رسالتَه وهو تحت التراب ، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))
[أخرجه مسلم (1631) عن أبي هريرة]
فكيف إنْ لم يكن له عملٌ أصلاً ، ووافتْه المنيّةُ .
وفي حديثٍ آخرَ تضمّنَ تفصيلاتٍ لهذه الثلاث ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))
[رواه ابن ماجه(242)وابن خزيمة في صحيحه (2490)]
وأَخرجَ مسلمٌ في صحيحه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :
(( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ))
[رواه مسلم (1017)، والنسائي(5/75) وغيرهما عن جرير بن عبد الله ، وللحديث تتمة]
فوَيْلٌ ، ثم ويلٌ ، ثم ويلٌ ، لِمَنِ انقضتْ آجالُهم ، وضلالاتُهم ، وآثامُهم باقيةٌ مِن بعدهم ، وهنيئاً ، ثم هنيئًا ، ثم هنيئًا لِمَن كانوا تحت الثرى ، والناسُ مهتدُون بهديهم سعداء بأعمالهم .
قال صاحب الحكم العطائية : ( رُبَّ عُمُرٍ اتَّسعت آمادُه ، وقلَّتْ أمدادُه ، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آمادُه ، كثيرةٌ أمدادُه ، ومَنْ بوركَ له في عُمرِه أدركَ في يسيرٍ مِنَ الزمنِ مِنَ المِنَنِ ما لا يدخلُ تحتَ دائرةِ العبارةِ ، ولا تلحقُه وَمْضَةُ الإشارةِ ) .
[شرح الحكم العطائية للشرنوبي]
ثالثاً :
]وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ[
لأنَّ النهوضَ بالحقِّ عسيرٌ ، والعوائقَ كثيرةٌ ، والصوارفَ عديدةٌ ، فهناك هوى النفوسِ ، ومنطقُ المصلحةِ ، وظروفُ البيئة ، وضغوطُ العمل ، والتقاليدُ ، والعاداتُ ، والحرصُ ، والطمعُ ، عندئذٍ يأتي " التواصي بالحق " ، ليكونَ مذكِّراً ، ومشجِّعاً ، ومحصِّناً للمؤمنِ الذي يجدُ أخاه معه يوصيه ، ويشجِّعه ، ويقف معه ، ويحرصُ على سلامته ، وسعادته ، ولا يخذُله ، ولا يسلبُه ، وفضلاً عن ذلك ، فإن" التواصي بالحق " ينقِّي الاتِّجاهاتِ الفرديةِ ، ويَقِيها ، فالحقُّ لا يستقرّ ، ولا يستمرّ إلا في مجتمعٍ مؤمنٍ ، متواصٍ ، متعاونٍ متكافلٍ ، متضامنٍ .
فالمرءُ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ يكمِّل نفسَه ، وبالتواصي بالحقِّ يكمِّل غيرَه ، وبما أنّ كيانَ الأمةِ مبنيٌّ على الدِّينِ الحقِّ الذي جاءنا بِالنَّقلِ الصحيح ، وأكّده العقلُ الصريحُ ، وأقرَّه الواقعُ الموضوعيّ ، وتطابقَ مع الفطرة السليمة ، فلا بد أنّ يستمرَّ هذا الحقُّ ، ويستقرَّ ، حتى تشعرَ الأمةُ بكيانها ، ورسالتها ، " فالتواصي بالحق " قضيةٌ مصيريةٌ ، فما لم تتنامَ دوائرُ الحقِّ في الأرض ، تنامتْ دوائرُ الباطلِ ، وحاصرتْه ، " فالتواصي بالحق " يعني الحفاظَ على وجودِه ، والأداءِ لرسالته .
رابعاً :
]وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[
الصراع بين الحق والباطل
لقد شاءتْ حكمةُ الله جل جلاله أنْ تكون الدنيا دارَ ابتلاءٍ بالشَّرِّ والخيرِ ، ودارَ صراعٍ بين الحقِّ والباطلِ ، لذلك كان التواصي بالصبر ضرورةً للفوزِ بالابتلاءِ ، والغلبةِ في الصراعِ .
إذاً : لا بد مِنَ التواصي بالصبر على مغالبةِ الهوى ، وعنادِ الباطل ، وتحّملِ الأذى ، وتكبّدِ المشقةِ ، لذلك يعدُّ الصبرُ وسيلةً فعالةً لتذليلِ العقباتِ ، ومضاعفةِ القدراتِ ، وبلوغِ الغاياتِ ، قال تعالى :
]إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ[
[سورة النساء ، الآية 104]
العبرةُ ليست في إنفاقِ الوقتِ ، بل في استثماره ، فالوقتُ إذا أنفقناهُ ضاعَ ، أما إذا استثمرناهُ فسينمو ، ويُؤتِي ثمارَه في مستقبلِ حياتنا ، وللأجيال القادمة .
إذًا كيف يُنفقُ المسلمُ الزمنَ إنفاقاً استثماريًّا ؟ لئلاّ تُحقَّق به الخسارةُ ، إنَّ هذا ما يسمَّى في المصطلح الحديث (إدارة الوقت) ، وهو موضوعُ الخطبةِ اليومَ .
الوقتُ في حياةِ المسلمِ عبادةٌ ممتدَّةٌ ، أمّا الوقتُ في الثقافةِ الغربيةِ ، والنظرياتِ الماديةِ ، فإنه لا يخرج عن نطاقِ المثل الشائع : " الوقت هو المال " ، وإذا وَازَنَّا هذه العبارةَ بقولِ الحسنِ البصري رحمه الله تعالى : ( أدركتُ أقواماً كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره ) ، نَستنتجُ أنّ الوقتَ عندَ المسلمِ أغلى مِنَ المالِ ، ذلك أنّ المسلمَ يُدرك أنّ المالَ يمكنُ تعويضُه ، بينما الوقتُ لا يمكن تعويضُه.
الإنسانُ حينما يَحرقُ مبلغاً كبيراً مِنَ المال يُحكَم عليه بالسَّفَهِ ، ويُحْجَر على تصرفاتِه ، ولأنه مركَّبٌ في أعماقِ الإنسانِ أنّ الوقتَ أثمنُ مِنَ المالِ ، بدليلِ أنه يبيعُ بيتَه الذي يسكنُه ولا يملكُ شيًا سِوَاهُ ليُجريَ بثمنِه عمليةً جراحيةً ، متوهِّمًا أنّها تزيدُ في حياتِه سنواتٍ عدةً ، فالوقتُ عندَ كلّ إنسانٍ أثمنُ مِنَ المال ، وبناءً على هذه المُسَلَّمَةِ فإنّ الذي يُتلفُ وقتَه أشدُّ سَفَهاً مِنَ الذي يُتْلِفُ مالَه .
إدارة الوقت
إدارةُ الوقتِ هِي فعلُ ما ينبغي ، على الوجهِ الذي ينبغي ، في الوقتِ الذي ينبغي ، الوقتُ مِن ذَهَبٍ ، بل أغلى من الذهب ، بل هو لا يُقدَّر بثمن ، إنه أنت ، ويُعَدُّ الوقتُ أحدَ أربعةِ مواردَ أساسية في مجال الأعمالِ ؛ المواد ، والمعلومات ، والأفراد ، ثم الوقتُ الذي يُعدّ أكثرَها أهميةً ، لأنه كلما تَحَكّمَ الفردُ في وقتِه بمهارةٍ وإيجابيةٍ استطاعَ أن يستثمرَه في تحقيقِ أقصى عائدٍ ممكنٍ مِنَ المواردِ الأخرى ؛ حيث إنّ الفردَ عندما يديرُ وقتَه بشكلٍ فعّالٍ هو في الحقيقة يديرُ نفسَه ، وعبادتَه ، وعملَه ، ودنياهُ إدارةً فعّالةً .
كي نكونَ واقعيّين ، إنْ لم يكنْ بالإمكانِ استثمارُ كلِّ الوقتِ ... فعلى الأقلِّ يمكنُ أنْ نستثمرَ أكبرَ قدْرٍ مِنه .
وعلى الرغمِ مِن هذه الأهميةِ الكبيرةِ للوقتِ ، فإنّ أكثرَ العناصرِ والمواردِ هدراً ، وإنّ أقلَّها استثماراً ، سواء من الجماعات ، أو من الأفراد ، هو الوقتُ ، ويعود هذا لأسبابٍ عدّةٍ ، أهمّها عدمُ الإدراكِ الكافي للخسارةِ الكبيرةِ المترتبةِ على سُوءِ إدارتِه .
الوقتُ مَوْرِدٌ نادرٌ ، لا يمكن تجميعُه ، ولأنّه سريعُ الانقضاءِ ، وما مضى منه لا يرجع ، ولا يعوَّض بشيء ، كان الوقتُ أنفسَ وأثمنَ ما يملكُ الإنسانُ ، وترجعُ نفاستُه إلى أنه وعاءٌ لكلِّ علمٍ ، ولكلِّ عملٍ ، ولكلِّ عبادةٍ ، فهو في الواقعِ رأسُ المالِ الحقيقيّ للإنسانِ ، فرداً ومجتمعاً.
ومِنْ هذا المنطلقِ يعدُّ الوقتُ أساسَ الحياةِ ، وعليه تقومُ الحضارةُ ، فصحيحٌ أنّ الوقتَ لا يمكن شراؤُه ، ولا بيعُه ، ولا تأجيرُه ، ولا استعارتُه ، ولا مضاعفتُه ، ولا توفيرُه ، ولا تصنيعُه ، ولكن يمكن استثمارُه وتوظيفُه ، أولئك الذين لديهم الوقتُ لإنجازِ أعمالِهم ، ولديهم أيضاً الوقتُ لمعرفةِ ربِّهم ، وعبادتِه ، والتقرّبِ إليه ، عرفوا قيمتَه ، هم يستثمرون كلَّ دقيقةٍ مِن وقتهم ، ولذا فإدارةُ الوقتِ لا تنطلقُ إلى تغييرِه ، أو تعديلِه ، أو تطويرِه ، بل إلى طريقةِ استثمارِه بشكلٍ فعّالٍ ، ومحاولةِ تقليلِ الوقتِ الضائعِ هَدْراً مِن دون فائدةٍ 0
لا يمكن إعادة الوقت
يؤكِّد بعضُ العلماءِ منذ زَمَنٍ قديم أنَّ الوقتَ يمرُّ بسرعةٍ محدّدةٍ وثابتةٍ ، فكلُّ ثانيةٍ أو دقيقةٍ ، وكلُّ ساعةٍ تشبهُ الأخرى ، وأنّ الوقتَ يسيرُ إلى الأمامِ بشكلٍ متتابع ، وأنه يتحركُ وَفقَ نظامٍ معيَّن مُحكَم ، لا يمكن إيقافُه ، أو تغييرُه ، أو زيادتُه ، أو إعادةُ تنظيمه ، وبهذا يمضي الوقتُ بانتظامٍ نحو الأمام ، دون أيِّ تأخيرٍ أو تقديم ، ولا يمكن بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ إيقافُه أو تراكمُه أو إلغاؤُه أو تبديلُه أو إحلالُه ، إنّه موردٌ محدَّدٌ يملكُه الجميعُ بالتساوي ، فعلى الرّغم مِنْ أنّ الناسَ لم يُولَدوا بقدراتٍ أو فُرَصٍ متساويةٍ ، فإنهم جميعا يملكون الأربعَ والعشرين ساعةً نفْسَها كلَّ يومٍ ، والاثنينِ والخمسينَ أسبوعاً كلَّ عام ، وهكذا فإن جميعَ الناس متساوون في ناحيةِ المُدَّة الزمنية ، سواء أكانوا من كبار الموظفين أم مِن صغارهم ، مِن أغنياء القوم أم مِن فقرائهم ، لذلك فالمشكلةُ ليستْ في مقدار الوقتِ المتوفّر لكلٍّ مِن هؤلاء ، ولكنْ في كيفيةِ إدارةِ الوقت المتوفّر لديهم واستخدامِه ، وهل يستخدمونه بشكلٍ جيِّدٍ ومفيدٍ في إنجاز الأعمالِ المطلوبةِ منهم ، أو يهدرونه ، ويضيِّعونَه في أمور قليلة الفائدة .
إنّ إدارةَ الوقتِ هي تحديدُ هدفٍ ، ثم تحقيقُه ، قال تعالى :
]أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[
[سورة الملك : الآية 22]
ولا شكّ أنّ مَنْ يمشي إلى هدفٍ وغايةٍ واضحةٍ أهدى مِمَّن يَخبِطُ خَبْطَ عشواء ، هذه حقيقة .
الوقتُ نعمةٌ عظيمةٌ ، تؤكِّد السُّنّةُ المطهّرةُ ما جاء في القرآن الكريم مِن أنّ الوقتَ مِنْ نِعَمِ الله على عباده ، وأنهم مأمورون بحفظه ، مسؤولون عنه ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))
[رواه البخاري (6049) ، والترمذي (2304) وغيرهما]
ومعنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ))
أيْ الذي يُوَفَّقُ لذلك قليلٌ ... فقد يكون الإنسانُ صحيحاً ، ولا يكون متفرِّغاً لشغله بالمعاش ، وقد يكون مستغنيًا ، ولا يكون صحيحاً ، فإذا اجتمعا - الصحةُ والفراغُ - فغَلَبَ على الإنسان الكسلُ عن الطاعة فهو المغبونُ ، والغبنُ أنْ تشتريَ بأضعافِ الثمنِ ، وأنْ تبيعَ بأقَلّ مِن ثمنِ المِثْلِ .
الوقتُ مسؤوليةٌ كبرى ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :
((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ،وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ))
[رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي(2417)]
الوقتُ وعاءُ العبادةِ ، فالصلاةُ والزكاةُ والصيامُ والحجُّ ونحوُها عباداتٌ محددَّةٌ بأوقاتٍ معيَّنةٍ ، لا يصحّ تأخيرُها عنها ، وبعضُها لا يُقْبَل إذا أُدِّيَ في غير وقته ، فهي مرتبطةٌ ارتباطاً وثيقاً بالوقتِ ، الذي هو عبارة عن الظرفِ أو الوعاء الذي تُؤَدَّى فيه .
ومما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحثِّ على أداءِ العباداتِ في وقتِها قولُه حين سئل :
(( أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))
[البخاري(504) ، ومسلم(85) عن ابن مسعود]
الوقت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام :
لقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم قيمةَ الوقت ، فجعلتَه ظرفاً لبطولاتٍ تعجزُ عن صنعَها الأممُ والشعوبُ ، حتّى أقسمَ اللهُ في عليائه بِعُمُرِكَ الثمينِ ، فقال تعالى :
]لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ[
[سورة الحجر : الآية 72]
وربى أصحابه على معرفة قيمة الوقت ، حتى أن سيدنا علياً رضي الله عنه قال :
( والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، ولو علمتُ أن غداً أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي)
[حاشية السِّنْدي على سنن النسائي(8/96) مِن قول عليٍّ]
وكان عليه الصلاة والسلام مِن أَشَدِّ الناسِ حِرْصاً على وقته ، وكان لا يَمضي له وقتٌ مِن غير عَمَلٍ لله تعالى ، أو فيما لا بدّ له لصلاحِ نفسه ، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف حالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( كان إذا أَوَى إلى مَنْزله جَزَّأ دُخولَه ثلاثة أجزاء : جُزءا للّه ، وجُزءا لأهلْه ، وجُزءا لنَفْسه ، ثم جَزَّأ جُزْءَهُ بَيْنَهُ وبين الناس ، فَيردَ ذلك على العامَّة بالخاصَّة ))
[ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/423) ، والبيهقي في شعب الإيمان(2/156)]
وفي السنة النبوية الشريفة إشارات إلى أهمية الوقت :
فعن أبن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( اِغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))
[أخرجه الحاكم في المستدرك (4/341) ، وابن أبي شيبة في المصنف (7/77) ، والمنذري في الترغيب والترهيب (4/125)]
بل في حديث رائع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))
[أخرجه أحمد (13004)]
لابن القيم رحمه الله تعالى قول في قيمة الوقت في حياة المسلم ، يقول : ( فالعارفُ ابنُ وقتِه ، فإنْ أضاعَه ضاعت عليه مصالحُه كلها ، فجميعُ المصالحِ إنما تنشأ مِنَ الوقت ، فمتَى أضاعَ الوقتَ لم يستدرِكْه ، فوقتُ الإنسانِ هو عمرُه في الحقيقة ، وهو مادةُ حياتِه الأبديةِ في النعيم المقيم ، ومادةُ المعيشة الضنكِ في العذابِ الأليمِ ، وهو يمرّ أسرعَ مِن مَرِّ السحابِ ، فما كان مِن وقتِه لله ، وبالله فهو حياتُه وعمرُه ، وغيرُ ذلك ليس محسوبًا مِن حياته ، وإنْ عاشَ فيه عيشَ البهائم ، فإذا قَطَعَ وقتَه في الغفلةِ والشهوةِ والأماني الباطلةِ ، وكان خيرُ ما قطعه بالنوم والبطالة ، فموتُ هذا خيرٌ له مِن حياته ، وإذا كان العبدُ وهو في الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عَقَلَ منها ، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله) .
[الجواب الكافي لمَن سأل عن الدواء الشافي (ص201) ، بتصرف يسير]
من جَهِل قيمةَ الوقتِ فسيأتي عليه موقفان خطيران ، يتذكّر فيهما قيمةَ الوقت .
الموقف الأول : ساعةُ الاحتضارِ ، حينَ يودِّع الدنيا ، ويستقبلُ الآخرة ، ويتمنّى لو مُنِحَ مهلةً من الزمن ، وأُخِّر إلى أجلٍ قريبٍ ، ليُصلِحَ ما أفسدَ ، وليتداركَ ما فاتَ .. قال تعالى :
]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ*وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ[
[سورة المنافقون : الآية 9-10]
ويأتي الرد الإلهيّ :
]وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[
[سورة المنافقون : الآية 11]
الموقف الثاني : في الآخرة ، حيث تُوفَّى كلُّ نفسٍ ما عملتْ ، وتُجزَى بما كسبت ، ويدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ ، وأهلُ النارِ النارَ ، هناك يتمنّى أهلُ النارِ لو يعودون إلى دارِ التكليفِ ، ليعملوا عملاً صالحاً ، ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ ، فقد انتهى زمنُ العمل ، وجاء زمنُ الجزاءِ ، قال تعالى :
]وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ*وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ[
[سورة فاطر : الآية 36-37]
القرآنُ يحذِّر مِنَ الغفلة أشدَّ التحذير ، قال تعالى :
]وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[
[سورة الأعراف : الآية 179]
آفةٌ أخرى تصيبُ الناسَ ، إنها التسويفُ ، غدًا ، وبَعْدَ غدٍ ، وسوف أتوبُ ، وبعْد انتهاء العام الدراسي ، وبعد تأسيسِ المحلِّ ، وبعْد الزواجِ ، آفة أخرى هي التسويف ، قال الحسن البصري رحمه الله :
(( إيّاكَ والتسويفَ ، فإنّك بيومِك ، ولستَ بغدك ، فإنْ يكن غدٌ لك ، فكنْ في غدٍ كما كنتَ في اليوم ، وإنْ لم يكن لك غدٌ ، فلنْ تندمَ على ما فرَّطتَ في اليومِ ))
وقيل لعالم جليل : أوصنا ، فقال :
((احذروا ( سوف ) فإنها جند من جنود إبليس ))
ولله دَرُّ مَنْ قال :
تزود من التقوى فإنك لاتدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فَكَمْ مِن سَليمٍ مَات مِن غيرِ عِلّة ٍ وَكَمْ مِن سقيمٍ عَاشَ حِيناً مِنَ الدَّهْرِ
وَكَمْ مِن فتًى يُمسي ويُصبحُ آمناً وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يَـدْرِي
***
عبدُ اللهِ بن رواحةَ ، صحابيٌّ جليل ، القائدُ الثالثُ في معركةِ مؤتةَ ؛ ففيما تروي بعض السيرُ ، حين قُتل زيدٌ ، القائدُ الأولُ ، ثم قُتل جعفرُ ، القائدُ الثاني ، وجاء دورُه في القيادة ، وكان شاعراً ، تردَّد قليلاً في حَمْلِ الراية ، وقال هذين البيتين :
***
يا نفسُ إلاّ تُقْتَلي تَمُـوتِي هذا حِمَامُ الموتِ قدْ صَلِيتِ
وما تمنَّيتِ فقد لقِيـــتِ إنْ تفْعلِي فِعْلَهُمَا هُدِيــت
ثم أخَذَ الرايةَ ، وقاتلَ بها حتى قُتِلَ ، وكان النبيُّ عليه الصلاة والسلام مع أصحابه فقال :
(( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرُ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا ، لَقَدْ رُفِعُوا لِي فِي الْجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ ، فَقُلْتُ : بِمَ هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَعْضَ التَّرَدُّدِ وَمَضَى))
[مجمع الزوائد (6/160) ، وقال : أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة ، وانظر حلية الأولياء (1/120) ، والسيرة النبوية(5/31) ، وتفسير القرطبي (10/368)]
قرأتُ البيتين ، وعددتُ الزمنَ ، فكان الزمنُ عشرَ ثوانٍ فقط .
أرأيت أيها القارئ إلى هذا التردُّدِ الذي لا يزيد عن عَشْرِ ثوانٍ ، كيف أنّه هَبَطَ بمنزلةِ صاحبِه في الجنة ، مع أنّه بَذَلَ حياتَه في سبيل الله ، إنَّ هذه القصة إنْ صحَّتْ تؤكِّد قيمةَ الوقتِ في حياة المسلم .
* * *
وإذا كان الوقت هو البعد الرابع للأشياء ، أو هو البعد الحركي للمادة ، فالشمس لها علاقة بموضوع الوقت : يقول الله تعالى :
]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[
[سورة يس : الآية 38]
الشّمسُ الزمانُ ، وهي سببُ حصولِه ، ومُنْشَعَبُ فروعِه ، وأصولِه ، وكتابُه بأجزائِه وفصولِه ، لولاها ما اتَّسقتْ أيامُه ، ولا انتظمتْ شهورُه وأعوامُه ، ولا اختلف نورُه وظلامُه ، قال تعالى :
]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ[
في مَوْقِعٍ معلوماتيٍّ في حقلِ الإعجازِ العلميِّ في الكتاب والسنة وَرَدَتْ هذه الحقائقُ المذهلة ،
]وَالشَّمْسُ تَجْرِي[
إنّ الشمسَ نجمٌ عاديٌّ ، يقع في الثلثِ الخارجيّ لشعاعِ قرصِ المجرّة اللَّبنية ، وهي تجري بسرعة (230) كلم في الثانية حولَ مركزِ المجرةِ اللبنيةِ ، الذي يبْعُدُ عنه ثلاثين ألف سنة ضوئية ، ساحبةً معها الكواكبُ السيَّارةُ ، التي تتبعُها حيثُ تُكمِلُ دورةً كاملةً حول مجرّتها ، فمنذُ ولادتِها التي ترجع إلى خمسةِ مليارات سنة تقريباً أكملتْ الشمسُ وما تبعَها من نجومٍ ثماني عشرةَ دورةً حولَ المجرةِ اللبنية ، التي تجري نحوَ تجمّعٍ أكبرَ هو كُدْسُ المجرات ، وكُدْسُ المجراتِ يجري نحو تجمّع أكبرَ هو كُدْسُ المجراتِ العملاقُ ، والكُدسُ المجموعةُ الكبيرةُ ، فكل جِرم في الكون يجري ويدورُ حولَ جِرمٍ آخرَ ، وهذا معنى قوله تعالى:
]وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ[
[سورة الطارق : الآية 11]
أي كلُّ نجمٍ يدورُ حولَ نجمٍ آخرَ ، ويرجعُ إلى مكانِ انطلاقهِ النسبيِّ ، وهذه الحقيقةُ تنتظمُ الكونَ كلَّه ، قال عزوجل :
]وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا[
إنّ مستقرَّ الشمسِ هو أجلُها المسمّى ، والمقدّرُ لها مِنَ العزيز العليم ، أي الوقت الذي فيه ينفذُ وقودُها فتنطفئُ ، وهذا المعنى لمستقرّ الشمس نستنتجُه من الآية الكريمة التالية :
]وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى[
[سورة الرعد ، الآية 2]
وقد تكررت هذه الآية الكريمة ستَّ مرات(4) في كتاب الله –
[وهذه المواضع هي :
((اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى))
[ الرعد : 2]
((يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ))
[ فاطر : 13]
((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى))
[لقمان : 29]
((وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا))
[يس : 38]
((لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ))
[يس : 40]
((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى))
[الزمر : 5]
وهناك موضع آخر ، وهو قوله تعالى :
(( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ))
[الأنبياء : 33]
- ربما كي نتوقف عند الإعجاز العلميِّ الكامنِ فيها ، فحتى القرنِ التاسعِ عشر كانت المعلوماتُ الفلكيةُ تقول بأزليّةِ النجومِ ، أما تقديرُ العزيزِ العليمِ فهو بأنّ للشمسِ أجلاً مسمًّى كَكُلِّ المخلوقاتِ ، ولم يكشفْ عِلمُ الفَلَكِ إلاّ في القرن العشرين أنّ النجوم تولَدُ ، وتنمو ، وتكبُر ، وتهرم ، وتموت ، وقد أشار القرآن الكريم إلى موتِ الشمسِ بالتحديد فقال : image
]إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ[
[سورة التكوير : الآية 1]
تكوير الشمس يعنى موتَها –
[قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (4/476) : "والصواب مِن القول عندنا في ذلك أن التكوير جمْعُ الشيء بعضه على بعض ، ومنه تكوير العِمامة ، وجمعُ الثياب بعضها إلى بعض ، فمعنى قوله تعالى (كورت) جُمِعَ بعضُها إلى بعض ، ثم لُفَّتْ ، فرُمِيَ بها ، وإذا فُعِل بها ذلك ذَهَب ضوءُها" ]
ويقدّر علماء الفلك أنَّ عمُرَ الشمس الحالي هو أربعة مليارات سنة ونيِّف ، ويبقى فيها من الطاقة ما يمكّنها من أن تضيء لمدة ستة مليارات سنة أخرى ، فينبغي ألا نقلق ، وبعد ذلك تكون قد استنفدتْ وقودَها ، فتدخل في فئة النجوم الأقزام ، ثم تموت ، وبموتها تنعدم إمكانية الحياة في كوكب الأرض ، وينتهي الزمن بالنسبة للأرض ، بمعنًى من معانيه
والحمد لله رب العالمين

الصبر


الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
كل إنسان ممتحن فيما أعطي وفيما زوي عنه :
أيها الأخوة الكرام، الدنيا والآخرة، الدنيا لها خصائص، والآخرة لها خصائص، ومن مسلمات العقيدة أن يعلم المؤمن خصائص الدنيا وخصائص الآخرة، الآخرة دار جزاء، الآخرة دار نعيم مقيم لمن نجح في الابتلاء، والآخرة دار شقاء أليم لمن لم ينجح في الابتلاء، الدنيا دار عمل والآخرة دار تكريم، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، فهناك خصائص كبيرة وصارخة للدنيا والآخرة، نحن في الدنيا، الدنيا دار ابتلاء، الدنيا دار امتحان، أنت ممتحن أيها المؤمن في كل شيء أعطاك الله إياه، أعطاك المال والمال مادة امتحانك، منعك من المال ومنع المال مادة امتحانك، أعطاك صحة والصحة مادة امتحانك، منعك من الصحة ولو جزئياً وهذا المنع مادة امتحانك، جعلك قوياً والقوة مادة امتحانك، وجعلك ضعيفاً والضعف مادة امتحانك، أنت ممتحن فيما أعطيت وفيما زوي عنك.
الدنيا دار ابتلاء و الآخرة دار جزاء :
من أدق الأدعية النبوية هذا الدعاء المتعلق بهذا الموضوع:
(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]
رزقتني صحة، اجعل هذه الصحة في طاعتك، رزقتني مالاً، اجعل هذا المال من أجل الآخرة، رزقتني مكانة اجتماعية، اجعل هذه المكانة دعماً للحق.
((....وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ ))
جعلتني فقيراً يا رب اجعل هذا الفراغ الناتج عن الفقر في رضوانك:
(( اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ))
[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ]
لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[مسلم عن صهيب الرومي ]
يؤجر مرتين؛ يؤجر إذا أعطي ويؤجر إذا منع، يؤجر إذا اغتنى ويؤجر إذا افتقر:
(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[مسلم عن صهيب الرومي ]
المؤمن ممتحن في كل شيء أعطاه الله إياه :
أيها الأخوة، هذا تمهيد، ما دامت الدنيا دار ابتلاء ومن الابتلاء ألا تكون قوياً، ومن الابتلاء ألا تكون صحيح الجسم، ومن الابتلاء ألا تكون آمناً، وهذه الآية موجهة للمؤمنين قال تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 155-157 ]
الصبر هو الموقف الكامل الذي ينبغي أن يقفه المؤمن حينما يبتليه الله :
من الأدب النبوي أن تسأل الله العافية
لذلك أيها الأخوة، لأن حياة المؤمن حياة ابتلاء، لأن من أكبر مظاهر الابتلاء الحرمان، ما الموقف الكامل الذي ينبغي أن يقفه المؤمن حينما يبتليه الله؟ أنت حينما تبتلى - لا سمح الله ولا قدر- والأدب النبوي أن تسأل الله العافية، الدعاء المذهل في الطائف حينما مشى النبي عليه الصلاة والسلام على قدميه من مكة إلى الطائف مسافة تقدر بثمانين كيلو متراً، لعلهم يؤمنون به، فإذا هم يكذبونه ويسخرون منه، وأغروا صبيانهم فضربوه، وسال الدم من قدمه الشريف، دعا دعاء يحتاجه كل مسلم، قال: يا رب أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، أما الأدب المذهل، لكن عافيتك أوسع لي، لذلك سلوا الله العافية، سلوا الله الكفاية، سلوا الله الصحة، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، لأننا في دار ابتلاء ولأن من خصائص الابتلاء النقص في المال، في البنين أحياناً، النقص في الصحة، لذلك موضوع هذه الخطبة الصبر.
نعمة الهدى لا تعدلها نعمة على الإطلاق :
الصبر ورد في القرآن الكريم في ثلاث وتسعين آية، لكن اخترت لكم من هذه الآيات عشرين، كل آية تغطي جانباً، هناك موضوع دقيق جداً يؤخذ من مجموع آيات الصبر، أولاً: يقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة البقرة: 153 ]
ذو الوجهين مصاب في دينه
أنت حينما تتصل تسعد، و عندئذ بعد اتصالك بالله أنت أكبر من أكبر مصيبة، والله أيها الأخوة، أقول هذه الكلمة دائماً: المؤمن أكبر من أكبر مصيبة، والدليل: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي. 
سيدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أصابته مصيبة، يقول: الحمد لله ثلاث؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، مصيبة الدين هي المصيبة، مصيبة الدين أن تأكل المال الحرام، مصيبة الدين أن تعتدي على حرمات الناس، مصيبة الدين أن ينافق الإنسان، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، أي ما دام دينك سليماً فأنت في خير، ما دام الدين سليماً، تؤدي العبادات، تتصل برب الأرض والسماوات، تخاف الله، ترجو ما عنده، محسن لمن حولك، أنت في خير، أنت في نعمة لا تعدلها نعمة لأن نعمة الهدى لا تعدلها نعمة، بل إن تمام النعمة الهدى.
كل شيء له حساب إلا الصبر :
لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة البقرة: 153 ]
أي إن لم تحكم اتصالك بالله وتسعد بهذا الاتصال كن صابراً، والصبر يعني أحياناً يكتب شيك برقم مليون، مئة مليون، لكن هناك سنداً لا تقدر قيمته برقم، موقف والرقم متروك لك أنت أملأه، اختر أكبر رقم، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر: 10]
كل شيء له حساب إلا الصبر:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر: 10]
من اتصل بالله عز وجل كان في قمة السعادة :
والله أيها الأخوة، حينما أقرأ قوله تعالى:
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾
[ سورة ص: 44]
مؤمن مستقيم امتحنه الله بمرض فهو صابر، أنا لي أخ كريم من أخواننا الكرام، أصيب بمرض خبيث، تقسم زوجته بالله أن المرض دام سنتين، تقسم بالله بأيمان مغلظة أنها ما سمعت منه في السنتين إلا الحمد لله وتوفاه الله على هذه الحالة، شيء قليل أن تكون صابراً، معنى ذلك أنت تعرف الله، أب ضرب ابنه، أب كله رحمة لمصلحة ابنه، لا يفسر تأديب الأب لابنه إلا لصالحه، لذلك الآية الكريمة:
﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 45]
أي أن تكون متصلاً بالله أنت في قمة السعادة، ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟ إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
العاقبة للمتقين :
الآية الثانية:
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[ سورة هود: 49]
قد يدور الزمان يقوى الكافر، يستكبر، يتحدى، يتبجح، ولكن العاقبة للمتقين:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
[ سورة المطففين: 34]
لذلك من ضحك أولاً ضحك قليلاً وبكى كثيراً، ولكن الذي يضحك آخراً يبكي قليلاً ويضحك كثيراً إلى أبد الآبدين:
﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 32]
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[ سورة هود: 49]
الأيام تدور، أناس يرتفعون، أناس ينخفضون، أناس يصبحون أغنياء، أناس يفتقرون، وفي النهاية العاقبة للمتقين، هؤلاء الشباب الضعاف الفقراء الذين كانوا حول النبي عليه الصلاة والسلام من أسر فقيرة اتبعوه دائماً جائعون مجاهدون في النهاية، سيدنا بلال، سيدنا سعد، كلهم سادتنا، هم في لوحة الشرف في التاريخ، والذين ناهضوا هذه الدعوة زعماء قريش، أغنياء قريش، كبراء قريش، هم في مزبلة التاريخ:
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[ سورة هود: 49]
صديق أيها الأخ ولا أبالغ، أنت الآن شاب تخاف الله، ترجو ما عنده، تقيم الصلوات، أنت محسن، مستقيم، تنصح من حولك، بار بوالديك، أقسم لكم بالله عندي يقين يفوق حدّ الخيال هذا الشاب قد لا يملك الآن شيئاً، لا بيت، ولا زوجة ولا عمل، لكنه محب لله، أقسم لكم بالله أن هذا الشاب له مستقبل كبير، كيف؟ لا أعلم، لكن أنا أعلم أنه ما من شيء أكرم على الله من شاب تائب، واللهُ عزّ و جل يباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي.
بطولة الإنسان أن يكون ممن وعده الله عز وجل بالجنة :
أيها الأخوة، آية قرآنية:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21 ]
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص: 61 ]
﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾
[ سورة الحشر: 20]
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر: 9]
كل بطولتك أن تكون ممن يعلم، كل بطولتك أن تكون من أصحاب الجنة، ممن وعدهم الله عز وجل بالجنة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون*نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت: 30-32]
الإحسان من خصائص المؤمن :
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[ سورة هود: 49]
في النهاية المتقون في أعلى عليين، المتقون في لوحات الشرف، المتقون في جنات عرضها السماوات والأرض، الآن من خصائص المؤمن أنه محسن، والإحسان عطاء؛ يعطي من وقته، من ماله، من خبرته، من صحته:
﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة هود: 115]
أقسم لكم بالله زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمحسنين، لك عمل صالح، هل تعيش للآخرين؟ هل عندك قلب رقيق؟ هل تبذل من مالك؟ من وقتك؟ من جاهك؟ من مكانتك؟ من علمك؟ من خبرتك لهؤلاء الضعاف المساكين عباد الله عز وجل ؟
﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة هود: 115]
المؤمن وعده الله بحياة طيبة :
أيها الأخوة:
﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾
[ سورة الرعد:22]
قد تجد بالمثل القريب من حياتنا طالب مهمل لا يدرس، لا يداوم، لا يقرأ، لا يؤدي امتحاناً، يمضي وقته كما يتمنى، وكما يشتهي، وكما يريد، وطالب آخر ملتزم بالدوام والدراسة، انظر لهذين الطالبين بعد عشرين عاماً، إنسان له مكانة في المجتمع، متألق، في بحبوحة مالية، له مكانة اجتماعية، والثاني يعاني ما يعاني:
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[ سورة هود: 49]
العاقبة، المستقبل للمتقي، الأيام تدور، هذا الذي لزم بيوت الله عز وجل، حضر دروس العلم، طبق هذا المنهج في بيته، في عمله، خاف من الله، غض بصره، أنفق من ماله، طلب العلم، هذا يجب أن تراه بعد عشرين عاماً في أعلى مكانة، وفي بحبوحة، وله عمل صالح كبير، وهو من أسعد الناس.
زوال الكون أهون على الله من أن يعامل المحسن كما يعامل المسيء :
هناك قوانين أخواننا الكرام، هذه القوانين يشار إليها بالقرآن الكريم أحياناً:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
مستحيل:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص: 61 ]
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21 ]
مستحيل وألف ألف مستحيل، بل إن زوال الكون أهون على الله من أن يعامل المحسن كما يعامل المسيء، هناك فرق كبير وهذه وعود الله فوق المكان والزمان، فوق كل الظروف، فوق كل الأنظمة، المؤمن وعده الله بحياة طيبة.
زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق الحياة الطيبة للمؤمن في أي عصر ووضع :
مرة ثانية: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق هذه الحياة الطيبة للمؤمن في أي عصر، بأي وضع، بأي ضائقة:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة: 18 ]
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم: 5 ]
أنت أيها المؤمن لك عند الله أيام، مرة دعوته فاستجاب لك، مرة نجاك من ورطة كبيرة، مرة أعانك في الامتحان، مرة جمعك مع أهل الخير، مع أهل الحق، مرة جمعك مع زوجة صالحة، تسرك إن نظرت إليها، و تحفظك إن غبت عنها، و تطيعك إن أمرتها:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم: 5 ]
كيف الله عز وجل جعلك من أبوين شريفين، كيف أعانك على طاعته، كيف جمعك مع أهل الحق، كيف دلك عليه:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم: 5 ]
التوكل على الله حالة راقية جداً :
﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 59 ]
يملك التوكل على الله، التوكل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، التوكل حالة راقية جداً، الإله العظيم بيده كل شيء، وضعت حاجتك عنده، واستسلمت له، وارتحت:
﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[ سورة إبراهيم: 5 ]
﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 59 ]
الصبر فضل من الله عز وجل :
لكن الله يعلمنا أن الصبر هو فضل من الله عز وجل:
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾
[ سورة النحل: 127 ]
لذلك المؤمن الصادق في خلوته مع ربه، في مناجاته، يقول له: يا رب اعني على الصبر، سيدنا عمر ما أصابته مصيبة قط، إلا قال: الحمد لله ثلاث؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها.
أعانك على أن تصبر، ولم تكن أكبر منها، ولم تكن في دينك.
على الإنسان أن يكون مع المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء :
الآن عندنا نوع من الصبر دقيق، قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
هناك درس دين بالجامع، لكن في الجامع لا يوجد كراسي، ولا ضيافة، يمكن أن تذهب إلى صديق، وتكون السهرة مختلطة، وتتمتع بمفاتن الحسناوات، وتكون مرحاً بالجلسة، وتقضي للساعة الثانية عشرة، وتقول: هذه السهرة لا أنساها، لكن كلها بالمعاصي، ويمكن أن تأتي إلى بيت من بيوت الله، وتجلس على الأرض، ولا يوجد أي ضيافة، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
منهج كن مع المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، فالسعادة معهم، والتوفيق معهم، ولا تكن مع أهل الدنيا المنحرفين الذين لم يعبؤوا بطاعة الله:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
[ سورة مريم: 65 ]
العبادة تحتاج إلى جهد :
العبادة تحتاج إلى جهد، أنت تصلي العشاء، الناس يسهرون و لا يستطيعون أن يصلوا، أنت تصلي العشاء أربع ركعات ووتر وسنة:
﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
[ سورة مريم: 65 ]
في رمضان هناك صيام بأشهر الصيف:
﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
[ سورة مريم: 65 ]
في الطريق حسناوات غاديات ورائحات، وكل مفاتنهم ظاهرة:
﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
[ سورة مريم: 65 ]
غض البصر، الدين فيه جهد و فيه تكليف:
﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾
[ سورة مريم: 65 ]
الجمال والكمال والنوال أساس كل شيء :
ثم قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ ﴾
[ سورة طه: 130 ]
قال تعالى:
﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾
[ سورة طه: 130 ]
أنت حينما تتصل بالذات الكاملة، حينما تتصل بأصل الجمال، بأصل الكمال، بأصل النوال، أنت ماذا تحب؟ أنت تحب الجمال، والكمال، والنوال، هذه أساسيات كل شيء، الجميل يحب، والكامل يحب، والعطاء يحب، إنسان أعطاك بيتاً تتزوج فيه، جزاه الله خيراًً، تحب النوال، تحب الجمال، تحب الكمال، والجمال والكمال والنوال عند الله:
﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 111 ]
في الإسلام لا يوجد حرمان :
من هو الفائز؟ الصابر، ما فلسفة الصبر؟ أنت مخلوق أودع الله فيك الشهوات، شهوة الطعام والشراب، شهوة الجنس، شهوة العلو في الأرض، هذه كلها شهوات أساسية، هذه الشهوات الله سمح لك بحيز محدد، شهوة المرأة زوجتك فقط، الإسلام لا يوجد فيه خليلة أبداً، ولا صديقة، الزوجة فقط، بالمال الكسب المشروع، بالعلو في الأرض العمل الصالح، أنت بالعمل الصالح تعلو عند الله وعند الناس، وأنت من خلال التجارة المشروعة أو الخدمة المأجورة يأتيك المال الحلال تسعد به، وأنت من خلال الأعمال البطولية تعلو عند الناس، الحاجة إلى العلو، والحاجة إلى المال، والحاجة إلى الطعام، وإلى الطرف الآخر، هذه الحاجات موفورة بالدين لكن من طريق نظيف، من طريق شريف، من طريق تعلو به عند الله وعند الناس، فلذلك في الإسلام لا يوجد حرمان، لكن الشهوات التي أودعها الله فيك تأخذها من جانبها الراقي.
الموت عرس المؤمن :
أيها الأخوة:
﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 111 ]
﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾
[ سورة الروم: 60 ]
بصراحة معظم الناس الموت لا يدخل في حساباتهم إطلاقاً، يعيش لحظته، متى ينسى الحليب الذي رضعه من أمه؟ عندما يقترب أجله، أقول لكم وأنا أعني ما أقول: معظم الناس موضوع الموت ليس داخلاً في حساباتهم أبداً، لكن عندما يصاب الإنسان بأزمة قلبية والأزمة القلبية في الأعمّ الأغلب تقربه من الموت، ساعتئذ يدخل في متاهات، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾
[ سورة البقرة: 175 ]
فالبطولة أن تصل إلى هذه الساعات الحرجة قبل أن تصل إليك، أن تصل إليها بعقلك، وتتوافق معها، وتتكيف معها، قبل أن تصل إليك، أعرف رجلاً ذهب إلى بلد غربي للمعالجة، فكان الجواب أن الموت محقق خلال أيام، وتبلّغ بطريقة أو بأخرى، يقول لي قريبه: أول يوم جمع أهله وأصهاره وكنائنه وودعهم، ثاني يوم حلّ مشاكله المالية، ثالث يوم له شيخ في الشام زاره، وعمل له بعض الأوراد، وكما توقع الطبيب باليوم الثالث الساعة الواحدة توفاه الله، لكن يقول لي قريبه: استقبل الموت براحة عجيبة لأن عمله صالح، من عادته إذا جاء إنسان يريد مالاً - ولو كان هناك أناس لا يقرونه على هذا- يقول له: افتح الصندوق وخذ ما تشاء ولا تعلمني من محبته للخير، إنسان مضطر للمال طبعاً مؤمن، افتح وخذ ما تريد ولا تعلمني، هذا عندما جاءه الموت كان بأسعد لحظات حياته:
(( تحفة المؤمن الموت ))
[ أخرجه الطبراني، وأبو نعيم، والحاكم، والبيهقي، عن ابن عمر ]
كل حياتك تعد لهذه اللحظة، الموت عرس المؤمن، فالبطولة أن تجعل هذه المصيبة العامة هي ساعة من ساعات الحب مع الله.
الصبر نصف الإيمان :
أيها الأخوة الكرام، موضوع الصبر، مرة ثانية في القرآن ثلاث وتسعين آية عن الصبر، وكل آية لها معنى فرعياً مهماً جداً، عندما تصل إلى الصبر ابحث في الحاسوب عنه فيظهر عندك عدد من الكلمات، تابع الموضوع متابعة دقيقة، الصبر نصف الإيمان، الإيمان نصف صبر ونصف شكر، أنت بين شدة وبين رخاء، في الشدة تصبر، في الرخاء تشكر، إن أردت أن تلخص الإيمان كله شقان؛ صبر وشكر، في الشدة تصبر، وفي الرخاء تشكر، والمؤمن شكور وصبور.
أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.
* * *
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم.
ينبغي على الإنسان أن يقف على صفات المؤمنين في القرآن وقفة متأنية :
أيها الأخوة الكرام، أحياناً في القرآن الكريم تأتي صفات المؤمنين تُقرأ هكذا، لكن ينبغي أن تقف عندها وقفة متأنية، كيف؟ اسأل نفسك سؤالاً محرجاً هل أنت كذلك؟ الله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾
[ سورة الأحزاب: 35]
استسلمت لله؟ هل أنت خاضع له؟ هل أنت معتقد أن هذا الدين حق؟ وأن هذه الأوامر من عند الله تسعد من طبقها؟
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾
[ سورة الأحزاب: 35]
هل أنت مؤمن بالدار الآخرة؟
(( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[متفق عليه عن أبي هريرة ]
هل أنت مؤمن أنك أنت مخلوق لحياة أبدية؟
﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾
[ سورة الأحزاب: 35]
هل جمعت قلبك إلى الله؟ هل وحدت وجهتك مع الله؟
﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 35]
القرآن الكريم ربيع القلوب :
القرآن ربيع القلوب
أخواننا الكرام، القرآن الكريم ربيع القلوب، اقرأ القرآن واسأل نفسك دائماً هل أنت كذلك؟ هل هذه الصفات منطبقة عليك؟ إن لم تنطبق احرص أن تنطبق عليك.
أيها الأخوة، هذا القرآن الكريم ربيع قلوبنا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا القرآن دستورنا، هذا القرآن منهجنا، هذا القرآن فيه إخبار لنا عن مستقبلنا، هذا القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلذلك المؤمن حريص على القرآن الكريم حرصاً لا حدود له، بل إن بعضهم قال: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، فالقرآن من أخص خصائص المؤمن، ومن ألزم لوازم المؤمن.

الدعاء :
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل ِكلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين